الشيخ محمد رشيد رضا
594
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ان الموكلين بها هم أصحاب رسول اللّه ( ص ) مطلقا ، وقيل كل من يؤمن به ، وقيل الفرس . والمختار عندنا أنهم جميع الصحابة فان المهاجرين قد كانوا أول من آمن بها ، وصبر على بلائها ، وكانوا بعد الهجرة في مقدمة الأنصار ، في كل عمل وكل جهاد ، ولكن الأنصار مقصودون بالذات لان القوة والمنعة لم تكن الا بهم ، ولذلك قال « لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ » فان الأنصار لم يكونوا عند نزول هذه السورة مؤمنين . - أما تفسير القوم الموكلين بها بمن ذكر من الأنبياء فقد اختاره ابن جرير واحتج بأن الكلام السابق واللاحق فيهم ، فالكلام في الأثناء ينبغي أن يكون فيهم كذلك ، وتبعه الزمخشري قضية وحجة . ونقله الرازي عن الحسن واختيار الزجاج . والمعنى أنه تعالى وكل بها من ذكر في أزمنتهم . ولعل من هؤلاء من يريد بتوكيل أولئك النبيين المرسلين بها ما أخذه اللّه من العهد عليهم في قوله 3 : 81 وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ) الآية ولم يصرحوا بذلك . وأما تفسير القوم بالملائكة فقد استبعده الرازي معللا ذلك بأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم ، ونقول إن السياق هنا يدل على قوم كرام من بني آدم بدليل التنكير ، وان أطلق لفظ القوم على الجن في التنزيل ، ولا ينافي ذلك وقوعه في سياق الكلام عن الأنبياء فان قصص الأنبياء لم تذكر الا لإقامة الحجة بها على الكافرين والهداية والعبرة للمؤمنين . ووصفهم بأنهم ليسوا بها بكافرين ، وصف لقوم حاضرين ، منهم المؤمن بالقوة والمؤمن بالفعل ، ووصف الأنبياء السابقين بذلك لا يظهر له وجه رؤيا مبشرة لا مغررة بعد كتابة ما تقدم بزهاء شهر رأيت في الرؤيا نفرا من أهل بلدنا ( طرابلس الشام ) مقبلين في عمائم وأقبية من الحرير النفيس ، وأنا جالس مع أناس ، فقال أحدهم هذا فلان ، وذكر اسم رجل كان زعيما لطائفة كبيرة من الرجال المعروفين بالشجاعة والنجدة ، فقمنا له ، وسلمنا عليه وعلى من معه ، ففاجؤنا بنبأ عظيم موضوعه أنه قد ظهر في هذه الأيام مصداق قوله تعالى ( فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ) قالوا ألم تعلموا بذلك ؟ قلنا لا ، قالوا إن هذه مسألة عظيمة قد عرفت في أوربة وذكرت في بعض جرائدها - وظننت أنه كان معهم شيء من الجرائد - وقد اهتم لها فلان باشا - وذكروا رئيس وزراء الدولة العثمانية - وسافر لأجلها .